محمد اليحيائي: القصة علاقة غرام عابرة… أما الرواية فهي زواج

  
 

محمد اليحيائي: القصة علاقة غرام عابرة… أما الرواية فهي زواج

 كاتب عماني ينتمي إلى المدرسة الواقعية ويجمع بين الأسلوبين الأميركي والأوروبي

الأدب الجيد هو الذي تبدو أحداثه واقعية ومتخيلة في الوقت نفسه
بيروت – سجا العبدلي:
“لوحته شمس السنوات التي لا يعرف عددها ولا يهتم, فاستعاد نحوله, وسمرته القديمة. يقف إلى جوار شجرة البونزاي, على الممر المُبلط بالحجارة, في الدشداشة الكحلية ذات الحرير الأبيض والكٌمة المُنَجة بالأحمر والأصفر. الرحلة لم تكن طويلة فحسب ولكن, كانت مضنية. اختارها أو لم يخترها لا فرق, كان عليه ركوبها, موجة وراء موجة, نهاراً بعد نهار بعد نهار, أما الليالي فأجساد ممدة يعبر عليها, حوض شهواته ذا المياه الخضراء العميقة. كم مضى, كم تبقى ? كثيرُ, قليلُ, قليلُ كثير, لا فرق.. سينهض من نومه ذات ظهيرة ولا يجده, أو لا ينهض من نومه ذات ظهيرة ولا يجده, يجده أو لا يجده, ينهض أو لا ينهض, لا فرق… ”

دون تخطيط ولا خارطة طريق للعمل كتب القاص والروائي العماني محمد اليحيائي ليحول الواقعي إلى متخيل والمتخيل إلى واقعي في روايته الأولى ” حوض الشهوات” والتي هي ” عمل ضد الثبات وضد السكون وضد القناعات والأفكار والإجابات الجاهزة والمنتهية, إنما هو عمل في البحث وفي الرحيل وفي الأسئلة المفتوحة. ” كما يخبرنا في حوارنا هذا. هو كاتب ينتمي إلى المدرسة الواقعية السحرية, يجمع في مصادره المعرفية وذائقته بين الرواية الأميركية اللاتينية والرواية الأوروبية”.
حوض الشهوات
* حوض الشهوات عملك الروائي الأول, كيف اهتديت لكتابته, ولماذا كتبت في هذا الموضوع تحديداً ?

* كيف ولماذا, سؤالان صعبان عندما يتعلق الأمر بالكتابة الأدبية, بالفن عموماً. لا أكتب وفق خطة مسبقة أو أفكار جاهزة. أكتب مهتدياً بحدس وأحلام وصور, مصحوبة, بطبيعة الحال, بخبرات حياتيه ومعرفية وفنية, بعضها واعٍ وبعضها يصعد من بئر اللاوعي العميق والمجهول. لا أعرف كيف اهتديت إلى كتابة هذا العمل ولا لماذا هذا الموضوع تحديداً. الذي أعرفه أنني استيقظت مرة, وكان يوم إجازة, جلست إلى جهاز الكمبيوتر لأكتب الجملة التالية ” لوحته شمس السنوات التي لا يعرف عددها ولا يهتم, فاستعاد نحوله, وسمرته القديمة”, الجملة التي ستصبح مفتتح الرواية والتي ستقود أحداثها ومصائر شخصياتها إلى حيث كان عليها ولها أن تنقاد. هكذا بدأت ملامح الشخصية الأولى في التشكل, جملة وراء جملة وصورة وراء صورة, دون تخطيط ولا خارطة طريق للعمل. أخذت الرواية ملامحهما وشكلها وأسلوبها وفلسفتها مع تقدم العمل. شخصيات الرواية حرة ومستقلة, صنعت عالمها ومصائرها وتاريخها, ولم أكن أنا الكاتب سوى “مهندس” البناء الذي ساعدها على إيجاد المساحات التي تتناسب وحركة كل شخصية, وعلى اقتراح المعمار الذي يوفر لها مجال النمو والتطور و الحركة.

* يبدو هذا العمل وكأنه مجموعة روايات خرجت تحت مظلة عمل واحد, حدثنا عن هذا التكنيك?

* تقنية تعدد الأصوات وتداخلها, وتشابك الحكايات وتقاطعها, الانتقالات الخاطفة والسريعة في الزمن, ليست جديدة. قد تكون جديدة عربياً إلى حد ما, ولكنها قديمة ومعروفة في الرواية العالمية, المعلم الكبير في هذا النوع من الكتابة السردية هو “غونترغراس” الذي أظنه تعلمها من الملهم الكبير “جيمس جويس” . قد يبدو هذا الأسلوب في السرد معقدا وغير مريح للقارئ للوهلة الأولى , من الذي لم تُزعجه روايتا ” طبل الصفيح” لغونترغراس و ” عوليسيس” لجيمس جويس عند قراءتهما للمرة الأولى ومن الذي لم تدهشانه وتؤثر فيه هاتان الروايتان عند إعادة قراءتهما, بتأن وصبر, وتأمل أحداثهما? هذا ما صادفته “حوض الشهوات” أيضا, لكن القارئ الصبور, الذرب, الباحث عن المتعة والمعرفة سيجد الكثير من المتعة والمعرفة والمغامرة في هذا النوع من الروايات.
تلوين المزاج
* تبادل أدوار السرد بين أبطال العمل لربما أربك القارئ ولكنه نجح في تلوين المزاج العام للعمل, ماذا عن الأمكنة والأزمنة المتعددة التي دارت فيها أحداث العمل?

* أمكنة العمل وأزمنته ارتبطت بحركة الشخصيات, حركتها في المكان والزمان الواقعيين -ضمن زمان ومكان الحدث الروائي- وحركتها في المكان والزمان المتخيلين – ضمن خيال وذكريات وماضي الشخصيات – وأظن أن واحدة من المغامرات الفنية للكتابة الروائية هي تشظية الزمن وتفتيته بحيث يصاب القارئ بما يمكن وصفة ” دوار اللذة” الدوار الذي يسبق السقوط في اللذة. تحرك العمل في زمن ممتد لأكثر من مئة وخمسين عاماً من تاريخ عُمان ولكن ليس بصورة مستقيمة ومتصلة وإنما متشظية وأحيانا ارتدادية, وتحرك بين أماكن ومدن عدة. التاريخ الشخصي لشخصيات الرواية هو تاريخ نفي لا تاريخ استيطان, تاريخ رحيل لا تاريخ استقرار. فحتى إحدى الشخصيات الرئيسة في الرواية “سالم مطر” الذي عاش في المنفى خارج بلاده ثلاثين عاماً لم يتحول منفاه إلى وطن, عاد إلى الوطن ليعود إلى الهجرة في نهاية الرواية. “حوض الشهوات” عمل ضد الثبات وضد السكون وضد القناعات والأفكار والإجابات الجاهزة والمنتهية, هو عمل في البحث وفي الرحيل وفي الأسئلة الجارحة والمفتوحة.
تاريخ وأساطير
* في هذا العمل استطعنا قراءة التاريخ والأساطير والحكايا الشعبية والخيال والواقع ايضاً, ما كل هذا المزيج?

* هذا هو تاريخ عُمان عالم ملون من الحكايات والأساطير والخيال الشعبي الخصب. عالم البحار والجبال والسهوب. عالم الحروب والتحولات الكبرى, والمنافي والرحيل, عالم من الصعود والتمدد ثم التقهقر والانكماش- هذا هو تاريخ الدولة العُمانية, تاريخ تحولات كبيرة وعاصفة, عالم السكون الذي يسبق الحركة والحركة التي تولد من قلب السكون. التاريخ العُماني, القديم والحديث, محتشد بالأحداث والحكايات التي لم تكتب بعد ولم تُقارب بعد. ولعل هذه الرواية محاولة لمقاربة هذا التاريخ. إنما على كُّتاب السرد في عُمان الاقتراب أكثر من هذا العالم الغني, الملون ومقاربته في أعمال روائية.

* لماذا جعلت شخصية “ليلى” تكتب رواية حملت نفس عنوان روايتك , وتصدر عن نفس الدار وفي نفس السنة?

* جاءت هذه الفكرة من المسرح “كسر الإيهام” وهي “لعبة” روائية لمشاغبة القارئ وتحدي الذائقة القرائية التقليدية.

* ما الذي أردت قوله من قصة كل من “سلطان ومبارك”?

* الذي أرادا هما قوله, الجيل الذي ارتطمت أحلامه مبكرا بصخرة الصراع على السلطة والنفوذ. جيل الخيبة الأولى, ولكن أيضا جيل الأحلام الكبرى والمغامرات الكبرى والأسئلة الكبيرة, لكنه الجيل الذي أسهم في بناء عُمان الجديدة, بأحلامه وخيباته ورحيله وعودته.

* صورت موت ليلى بطريقة مؤثرة جداً لدرجة أنك جعلت مشاعر زوجها سالم تبدو وكأنها حقيقية, ما مدى قرب حكايتهما من الواقع?

* الأدب الجيد هو الذي تبدو أحداثه واقعية ومتخيلة في الوقت ذاته. حكاية سالم مطر وليلى سليمان واقعية وتحدث في أي مكان وأي زمان ولكنها لا تبدو/ لا يجب أن تبدو/ وكأنها حدثت أو تحدث في أي مكان وأي زمان, لا يجب أن تبدو مكررة ومعروفة, وإلا لما كان ثمة ضرورة لكتابتها. الكتابة هنا هي تحويل الواقعي إلى متخيل والمتخيل إلى واقعي, وهذا ما أسس له الكاتب العظيم غابرييل غارسيا ماركيز, ما صار يعرف بالواقعية السحرية. أنا أحد الذين ينتمون إلى هذه المدرسة, لكن مصادري المعرفية أكثر تنوعا, ذائقتي في الكتابة والقراءة وأدواتي الفنية مستمدة من نهري الرواية, الرواية الأوروبية والرواية الأميركية اللاتينية, وبالمناسبة ورغم تباين الأسلوب وتقنيات السرد بين المدرستين, فإنهما تنتميان إلى نسغ فني واحد هو “فن الباروك”. وأفضل من يجمع بين المدرستين اليوم هو الروائي التشكيكي الكبير ميلان كونديرا.

* أتساءل أحيانا من أعطانا الحق في الكلام باسم الناس, من قال لنا أن نحلم عنهم وباسمهم, لكن من نكون إن لم نتحدث باسم الناس ونحلم بأحلامهم قدرنا ودورنا “, ما أهمية تمرير الاسئلة وما نريد من خلال الحوارات ما بين الأبطال?

* الحوار يكسر أحادية السرد وسلطة السارد ويمنح الشخصيات المساحة الضرورية للنمو والتطور وقول أفكارها. والحوار وتمرير الأسئلة هما اللذان يقدمان فلسفة العمل على نحو أفضل. ويجعل متلقي العمل* القارئ* في حال تفاعل أكبر مع أحداث الرواية.

* بعد “خرزة المشي ” و”يوم نفضت خزينة الغبار عن منامتها” , و”طيور بيضاء, طيور سوداء” .. كيف تصف تجربة الانتقال من كتابة القصة إلى كتابة الرواية ?

* كتابة القصة ممتعة لكنها متعة قصيرة أما كتابة الرواية فتطيل عمر المتعة هذه. القصة القصيرة, واستعير من ماركيز قوله هذا علاقة غرامية عابرة أما الرواية فعلاقة زواج, لكني لا أراه زواجاً كاثوليكيا, إذ بمقدورنا الانفصال والعودة إلى العلاقات الغرامية العابرة, أو المراوحة بين الحالين. أحب القصة القصيرة وأكتبها, ولدى مجموعة نصوص جديدة لم تصدر في كتاب بعد, لكني وجدت أن تجربة كتابة الرواية ممتعة للغاية وإلى جانب المتعة في الكتابة, فإن كتابة الرواية تضع الكاتب أمام نظام أكثر صرامة من كتابة القصة, نظام في الوقت وفي القراءة … ليس قراءة الأدب فقط إنما قراءة التاريخ والسياسة والموسوعات, ونظام في سماع الموسيقى, بل وحتى التزام بالسفر والتنقل ومعرفة الفضاءات والمناخات التي تتحرك فيها شخصيات الرواية التي قيد التشكل.

* هل رحب جمهورك “بحوض الشهوات”?

* اسُتقبلت “حوض الشهوات” بترحاب لم اتوقعه, خصوصا في عُمان. قرأت من أطياف مختلفة, قرأتُ واستمعت إلى آراء وتعلقيات عدة, معظمها رحب وأحب الرواية, وكتبت عنها مراجعات عدة في عُمان وخارجها.

* هل سنقرأ لك تجربة أخرى في الرواية ?

* ربما, وأتمنى ذلك, لكني لست متعجلاً. لمن يعرف تجربتي المتواضعة في الكتابة والنشر, يعرف أنني من الكتاب الذي يؤمنون بالمباعدة بين الولادات.

http://bit.ly/1hRppJn

معارك علي الزويدي الرابحة، ومعركتة الخاسرة*

تأبين الزويدي

محمد اليحيائي

العرب أكثر من سواهم من الشعوب، محكومون بالكربالائية وثقافة الندب والنواح والمراثي. يجيدون، أكثر من أي شعب، تعداد مناقب الموتي…. أما الأحياء فلا مناقب لهم عندهم.

نحن، أحياء اليوم، لا قيمة لنا ولا مناقب. قيمتنا ومناقبنا غدا يوم نرحل.

لا يلتفت العرب إلى مبدعيهم وفنانييهم وكتابهم، لا يقدّرونهم، ولا حتى بكلمة، إلا بعد رحيلهم، بل أنهم، في حالات كثيرة، لا يعترفون بهم وبأدوارهم وبما يقدمون من جهود وأعمال إلا بعد انطفاء شمعتهم.

يالها من حرفة هذه، حرفةِ تعداد مناقب الموتي التي يجيدها العرب ويتميزون بها دون سواهم.

لا حاجة للموتى بنا ولا بمراثينا، ولا نواحنا، ولا يعنيهم تعدادَ مناقبِهم فقد رحلوا. كان سيعنيهُم وسيهتمون وسيفرحون، وسيشعرون بالفخر بأنفسهم وبمجتمعاتهم،  لو استمعوا إلى تقديرنا لهم واعترافنا بأعمالهم وما قاموا به من أجلنا ومن أجل المستقبل، لو كان قيل في حياتهم… لو كان قيل في حياتهم فقط.

لكن ثمة وجهٌ آخر لثقافة الندب والنواح والمراثي، وهو أننا نرثي أنفسنا في رحيل من نحب، نرثي واقعنا الهش المضعض، المفكك. نرثي الحياة، حياتنا التي تمضي دون طريق ولا وجهة، الحياةَ التي نمضي فيها هكذا خبط عشواء.

ولا ينطبق علينا أكثر من بيت  زهير بن أبي سلمى  في معلقته الشهيرة

رَأَيْتُ  المَنَايَا خَبْطَ عَشْوَاءَ مَنْ  تُصِبْ           تُـمِتْهُ  وَمَنْ  تُـخْطِىءْ  يُعَمَّرْ  فَيَهْرَمِ

تمنى علي الزويدي لو قرأ أو استمع إلى نزر يسير مما نشر بعد موته من تعداد مستحق لمناقبه وأدواره ومواقفه الحاسمه في محاربة الفساد ومقارعة الفاسدين، تمنى لو أن ما قيل عنه بسبب موته قيل عنه في حياته، بسبب حياته الغنية المحتشدة بالمعارك من أجل الناس والوطن، وبسبب معاركة الشرسة تلك التي خاضها منذ منتصف ثمانيات القرن الماضي وحتى رحيله في شهر يونيو  الماضي.

تمنى علي الزويدي هذا، كما تمنى قبله علي المعمري لو قرأ أو استمع إلى شذرات من مراثي الأهل والأصدقاء في حياته، وهو الذي عانى مرارات التجاهل والإهمال والاعتراف المتأخر بتجربته الأدبية.

قبل شهرين من رحيله المفاجئ والصادم، التقيت ابن دارس هنا في مسقط؛ لم يكن قلقا على أمر قدر قلقه على المستقبل، خصوصا في ظل أزمة النفط وسوء التخطيط الاقتصادي. تحدثنا لنحو ساعتين في أمور شتى، لكن موضوعه الرئيس، المؤرق والشاغل له كان البلاد ومستقبلها، وهذه هي طينةُ وعجينةُ من نظّر له المناضل اليساري الإيطالي أنطونيو غرامشي وأطلق عليه المثقف العضوي، الملتزم بقضايا مجتمعه التزاما عضويا.

من بين من عرفت من كتاب ومثقفي هذه البلاد، لم أجد سوى قلة قليلة ممن انخرطوا، بتفان منقطع النظير، في الشأن العام، وانشغلوا بقضايا المجتمع والإنسان، أكثر من انشغالهم  بأنفسهم، وكان علي الزويدي في مقدمة هؤلاء.

اليوم لا أجد هنا في هذه البلاد، من ينطبق عليه وصف المثقف العضوي الملتزم قضايا المجتمع والناس، التزاما مبدئيا صارما ، أكثر من علي الزويدي.

لقد عانى علي التجاهل وعدم الاعتراف طويلا. فالساحة الثقافة العمانية بما تعانيه من أمراض الأنانية والتدافع والرياء والكذب، نظرت إليه باعتباره كاتب رسائل قراء، فهو لم يكن لا من زمرة الشعراء ولا من زمرة كتاب القصة والرواية. ( هذه الساحة الثقافية هي ذاتها التي تتسابق اليوم على ادعاء بطولة رثائه والانجياز لمواقفه)

لقد كانت خصيصة الرجل ومأثرته التي حمت روحه وحفظت مساره من الانحراف هو أنه لم يدّع الشعر ولم يدّع الأدب. لقد كان يكتب بلغة المشاعر، لغة الإنسان البسيط، لا لغة المجاز والتورية. ولقد كان صوت من لا صوت له ولسان من لا لسان له بمن فيهم الكتاب والأدباء الذين آثر معظمهم الصمت يوم كان ابن دارس يخوض معارك الكتابة وحرية الكلمة والتعبير، معركة تلو أخرى، وفي مقدمتها معركة المطالبة بجمعية الكتاب والأدباء. هذه الجمعية التي ترد له اليوم، بجلسة التأبين هذه، قدرا يسيرا من فضله الكبير عليها، فلولاه وأصوات أخرى معه لربما تعثر أو تأخر ظهورها.

عندما كنت مشرفا على تحرير الملحق الثقافي لجريدة عمان آواخر الثمانيات، كان علي يأتيني بمقالات لنشرها في الملحق، الذي كان يحتل واجهة النشر الصحافي  الثقافي في البلاد، وكان يمثل بوابة العبور لكثير من الكتاب في تلك الفترة، لكني كنت لا أجد مكانا لتلك المقالات في الملحق الثقافي الذي لم يكن يحتفى إلا بالأدب، في صيغته التقليدية المحصورة، تحديدا، في الشعر والقصة ومبقالات النقد الأدبي، وكنت أحيل مقالاته إلى صفحة رسائل القراء.

منذ الثمانيات كان موضوع ابن دارس نقد المؤسسات التي تقدم الخدمات للمواطن. كان الشاعر والأديب يتصدران المشهد، لكن عليا لم يكن معنيا بتصدر أي مشهد، الذي كان يعنيه هو قول ما لزم قوله فحسب.

وحتى رسائل القراء لم تكن قادرة على استيعاب الأسئلة التي يثيرها علي الزويدي، فكثيرا ما تعرضت مقالاته للحذف والرفض والتشويه. وحين جاء الأنترنت إلى عمان مطلع الألفية الجديدة، وجد علي فيه ضالته، فكان أحد رواده المؤسسين للمنتديات الالكترونية التي أظهرت قدرات الرجل ومواقفه المبدئية الرصينة من قضايا الفساد وسوء استخدام السلطة ومقارعة الفاسدين دون خوف ولا تردد ، وقدرته على تقصى المعلومة وتوثيقها.

مآثره هنا لا تعد ولا تحصى.

لقد خاض علي الزويدي معارك كثيرة ضد نافذين ومؤسسات نافذة، وكان يعرف الثمن الذي يمكن أن يتكبده، لكنه ربحها جميعها.

كانت معارك علي الزويدي رابحة لأنها كانت معارك من أجل الوطن.

يقول مخاطبا الوطن في واحدة من مقالاته التي نشرت في سبلة عُمان عن واحدة من معاركه الرابحه:

“أنت يا وطني العزيز…

كنت الأول وتظل الأخير دوما…

قبل أن أتوجه إلى قاعة المحكمة هذا الصباح…

سوف أعود إليك مطلقا عنانيّ قلمي وكيبوردي…

قد أعود بحريتي قبل نهاية صباح الخير… وقد تكون قبل نهاية هذا الشهر… وقد لا يكون قبل نهاية العام، وقد يكون قبل نهاية العقد….

لكن حتما سوف أعود…

إلا إذا قال القدر كلمته عندما ينطق جلّ وعل : كن فيكون…

كم أعشقك أيها الوطن… تشرفني خدمتك في الأرض الفسيحة أو في زنزانة صغيرة…”

كان علي الزويدي هو أول من حوكم فيما عرف بمخالفة قانون الاتصالات، بل لعله أول كاتب عُماني يقف مُتهما في محاكمة علنية.

لقد تلقى بصدره الضربة الأولى، الصدمة الأولى، وكان صلبا كما بدى بعد خروجه من المحكمة وكما بدى من مواصلته نشاطه ومعاركه الرابحه.

لقد انتصرعلي الزويدي في معاركه ضد أطراف، بعضها نافذ في السلطة، لكن السلطة لم تكن كلها ضد علي الزويدي. فكما كتب، بعد محاكمته يوم الثلاثاء الحادي والعشرين من أبريل عام ألفين وتسعة، كانت هناك  أطراف في السلطة، فرحت بخروجه وتمنت له  التوفيق.

يقول :

” أتصل بي في البداية أحد المدراء يقول إن “معاليه” يريد يكلمني. أعتقدت أنه يقصد وزير النقل والاتصالات الذي وقف في غير صفي ( نتحدث عن 2009 وليس الآن). لكن المتصل قال إنه وزير آخر يسأل عن رقمي النقال. لم تمض لحظات على المكالمة مع المدير إلا ويأتيني اتصال من رقم مميز. بعد السلام قال لي معاليه عن اسمه، وتعرفت بالفعل على صوته كوني سبق ن تحدثت معه وقابلته في أمر ما. وقال لي بإنه وزملاء وزراء آخرين كانوا يتابعون القضية وأنه يهنئني على البراءة”

إن التغيير الذي أحدثته معارك الزويدي في صفوف السلطة مهم للغاية، ليس في أهمية وصدقية معارك فضح الفساد فقط، ولكن أيضا في طريقة نظر السلطة إلى نفسها من جهة وإلى الكتاب الذين يحاربون الفساد من جهة أخرى وأيضا لناحية طبيعة العلاقات داخل منظومة السلطة ذاتها والتي كشفتها هنا حادثة محاكمة الزويدي.

لكن ابن دارس لم يكن كاتبا منافحا عن حقوق الناس والمجتمع فحسب، ولم يكن الكاتب المشاغب الذي قد يبدو للآخرين ضاربا عرض الحائط بالتزاماته الاجتماعية والأسرية . لقد كان رب أسرة ملتزما، محبا لأسرته وأطفاله. لطلما وضع على حائطة في الفيسبوك صوره مع أبناءه في رحالات الترفيه العائلية.

ومن كلماته التي كتبها فيما بدى وكأنها سيرة حياة محارب، وكان يكتب عن تجربة احتجازة ومحاكمته في 2009 ، بدى أبا حنونا يختنق بالحب لأطفاله:

اقتطع هنا هذه المقاطع التي يخاطب فيها ابنه عبدالله:

” اليوم أنا موقوف عن السفر منذ أن عدنا معا من شانغماي وكونج تشانج وبتايا وبانكوك… فقد سحبوا مني جواز سفري وبطاقتي الشخصية، بل أصروا أن يكفلني عماني مثلي ببطاقته وجواز سفره… لدرجة أني لا استطيع أن أذهب إلى شارع الدفاع في أبوظبي لأشتري لك اللعبة المميزة التي لا أجدها في السلطنة.

“إذا رجعتَ يوم الثلاثاء من مدرستك فوجدت أبيك وقد اختفى ببدنه فتذكر يا ولدي أنه لن يختفي بوجدانه… أبوك يا عبدالله صوّر حياتك في باله كلما سافر وكلما اغترب، بل وكلما خرج من المنزل، لكن إن أتى الدجى يوم الثلاثاء فتذكر يا عبود أن أباك راجع إلى المنزل يبحث عنك”

“….. هذا واقعي يا ولدي الصغير، إن كنت أنا في قفص بسبب الكلمة فسوف أخرج من ذلك القفص كالطير أطلق عناني في سماء الحرية، وكالطير أيضا أعود إلى عشي ولو بعد حين أجد فيه أسرتي الصغيرة وأعود إلى الوطن العزيز أجد فيه أسرتي الكبيرة من أصدقاء ومعارف وأخوة وأخوات تلازموا معي في قضيتي”

كان الزويدي إذا محاربا ذربا، خاض معارك على جبهات عديدة دفاعا عن حق المجتمع في المعرفة وفي المعلومة ودفعا عن حرية الكلمة والتعبير.

ربح الزويدي معاركه تلك جميعها، عدا معركة واحدة مات وفي قلبه غصبة كبيرة بسبب صعوبة الانتصار فيها؛ تلك كانت معركة تغيير المجتمع أو أن يُغيّر المجتمع نفسه، في أن يخرج من دائرة العلاقات الهرمية الأبوية  وما كان يصفه ابن دارس بعلاقات المشيخة والنظرة العنصرية التي تمارس ضد بعض فئات المجتمع لأنها لا تنتمي إلى قبائل أو أسر بعينها.

لقد عدت إلى بعض مراسلات البريد الالكتروني بيننا، وفي رسالة منه إليّ مؤرخة في السابع من ديسمبر 2009 أي بعد ثمانية أشهر على انتصاره في معركة وثيقة مجلس الوزراء، كتب لي معبرا بمرارة عن وضع المجتمع الذي يدافع عنه.

يقول:

لست هنا أتكلم من فراغ ولكن لمعاصرتي للأحداث طوال عمري الذي تجاوز الآن السبعة والأربعين. فشخصيا عانيت الكثير من العنصرية الاجتماعية وحتى في العمل، فرغم ما احمل من مؤهلات إلا أن قبيلتي بقيت العائق الكبير في تقدمي في الحياة، هذا على المستوى الشخصي، أما على المستوى الاجتماعي وكما تعرف فأنا التصق بذلك المجتمع وأجد أن الحكومة مازالت تشجع العنصرية القبلية عندما أوجدت أكثر من عشرة وزراء من المشايخ، فضلا عن الوظائف الحكومية، والشعب نفسه يفكر بتلك الطريقة سواء الكبير منهم أو حتى الصغير. فضلا عن مجلس الشورى الذي دخله الشيخ بل وترأسه الشيخ بالأمس وباليوم قبل أن يترأسه المتعلم”

إذا أردنا أن نُقّدر هذا الرجل الذي رفع الصوت عاليا دفاعا عن الحق وعن الحقيقة، وأن نحفظ تراثه الإنساني، فعلينا أن نواصل معاركة ضد الفساد وضد استغلال الوظيفة العمومية واستغلال السلطة، ولكن علينا أيضا، بل وعلى نحو أكبر، مواصلة معركته الأهم، تلك التي رحل قبل أن يربحها، معركته ضد العنصرية والمحسوبية والانتهازية القبلية والعشائرية.

إن معركة التغيير الاجتماعي، على صعوبتها، هي معركتنا جميعا وهي معركة علي الزويدي القادمة.

إنني أدعو جمعية الأدباء والكتاب التي تفضلت بعقد هذه الجلسة إلى إطلاق جائزة سنوية باسم علي الزويدي لأفضل ثلاث مقالات تناقش قضايا التغيير الاجتماعي.

*قُدمت هذه الشهادة في جلسة التأبين التي عقدتها الجمعية العمانية للأدباء والكتاب للكاتب الراحل علي الزويدي. الاثنين 27/7/20015

الميراث

الميراث

قصة قصيرة

محمد اليحيائي

تلقى نبأ تعيينه وزيراً ببرود مدهش حتى أنه لم يجد ما يقول. كان يجلس على الحصيرة في ظل الليوان. وضع الهاتف إلى جواره ومد رجليه، وشعر، للمرة الأولى، أنه مجوف وفارغ كطبل.

كان نسيم الظهيرة عليلاً، وكان البيت صامتاً إلا من حركة خافتة تأتي من المطبخ حيث تنهمك أم سلمى في تحضير الغداء.

كانت الساعة الواحدة وعشرين دقيقة بعد ظهر يوم الإثنين الثالث من آذار (مارس) عام 2003، اليوم الذي شكل الانقلاب الأكبر في حياته وحياة زوجته فاطمة وابنته سلمى وأخوته الثلاثة سالم وسعيد وعبدالله وحياة الولاية كلها.

كان عبدالعزيز أنهى صلاة الظهر جماعة في مسجد العلاية، وعاد إلى بيته مشياً، على عادته كل يوم، مخترقاً مقصورته، بنخيلها وأشجارها. يعبر المقصورة ويتفقد نخيلها وأشجارها المختلفة وهو في طريق عودته من المسجد، خصوصاً بعد صلاتي الظهر والعصر، فالمقصورة هي حياته الموازية لحياته في البيت، وهي عائلته الأخرى الأكبر والأكثر عدداً من عائلته التي في البيت، لكنه يحبها تقريباً قدر محبته لابنته وزوجته. فهو، على خلاف إخوته الثلاثة الذين يكبرونه، لم يخرج من صراع الورثة إلا بقطعة أرض مُهملة، لم يلبث أن حوّلها، بكثير من الحب والصبر، إلى مقصورة غنّاء، انتقى نخيلها فسلة فسلة، عشرين فسلة في مربع نخيل «النغال» وعشرين في مربع نخيل «الخنيزي»، وبينهما عاضدان متوازيان، للرمان والفرصاد والتين والنارنج والليمون والمانجو والزّام والسدر والبيذام. أما حدود المقصورة فزنرها بأشجار الغاف الظليلة على الجهات الأربع.

كانت مقصورته التي سماها «الغالية» الحلم الذي ربّاه ورعاه حتى كَبُر وأصبح مضرب مثل أهل الولاية في التنسيق والجمال، حتى أن الوالي وعضوي مجلس الشورى زاروا «الغالية» للاستمتاع برؤيتها، الأمر الذي أغضب أخاه الأكبر سالم ودفعه لمعاتبة الوالي لتجاهله وهو وريث المشيخة المعتمد من قبل الحكومة.

كانت «الغالية» أغلى ما في حياته بعد سلمى وفاطمة، فقد صرف فيها سنوات شبابه، وفيها أجمل اللحظات، لا سيما تلك التي كانت فيها فاطمة تقف إلى جواره وهما يحرثان مربعات النخيل وعواضد الأشجار ويُصلحان الأرض لأن تصبح ما أحبا أن تُصبح عليه.

تأمل الظلال المتقاطعة لنخيل وأشجار المقصورة وتلألؤ أشعة الشمس خلل أغصانها الكثيفة المتشابكة، وشعر بالرضا والامتلاء التام.

كان كل شيء على ما يرام، وكأن الحياة أتمت دورتها من دون هموم ولا منغصات، إلى الأبد.

كانت سلمى، قمر حياته ومهجته التي كبرت سريعاً ولم يشبع بعد من عسل طفولتها، في السنة الثانية في كلية الهندسة بجامعة السلطان قابوس. عندما حاول إخوته ثنيه عن إرسالها إلى الجامعة في مسقط لأن بنات القبيلة لا يغادرن بيوتهن ولا يختلطن بالآخرين، وضعهم والقبيلة في كفة، وتعليم سلمى في كفة، وقال قولته الشهيرة وقد احتقن وجهه واحمرت عيناه: «لقد صادرتم مستقبلي ولن أسمح لكم بمصادرة مستقبل ابنتي مهما كلف الأمر». كان واضحاً أنه على استعداد للموت من أجل أن لا يرى دمعة حزن واحدة في عيني سلمى.

عندما توفي أبوه كان في الخامسة عشرة، وكان الأقرب إليه من إخوته، وكان في الصف الثالث الإعدادي، وكان أفضل طلاب مدرسة الإمام محمد بن عبدالله الخليلي، بشهادة معلمي المدرسة الذين كانوا يتوافدون على مجلس الشيخ الوالد، خصوصاً بعد صلاة الجمعة حيث وجبة الغداء الأسبوعية لكل أهل المنطقة. كان الشيخ حميد بن عبدالله يُعد عبدالعزيز لخلافته، وكان يريده أن يكون متعلماً فيستطيع مقارعة والي الولاية ومندوبي الحكومة بمنطق وحجج هذه الأيام، لكن الأجل لم يُمهله فمات، واستولى الإخوة الكبار على كل شيء وحُرم الأخ الأصغر من إكمال تعليمه. عاش تحت ظل ووصاية الأخ الأكبر حتى بلغ السابعة عشرة فاشتغل في دائرة الزراعة، وتزوج وبدأ مشروعه الخاص على قطعة الأرض التي كانت نصيبه من الميراث.

خرج من المقصورة وعبر، وهو في طريقه إلى البيت، على تراث القبيلة ومرتع أحلام يقظته القديمة، حصن «الرباط» الذي لم يتبق منه سوى برجيه المتداعيين وحائطه المثلوم ومدفعيه المختنقين بالطين والحصى. يوم كانت المشيخة تعادل دولة في قوتها واستقلالها، كان الحصن مركز الحكم. كان عبدالعزيز وُلد داخل مركز الحكم وتربى فيه وتعرّف في ليوانه الطويل ذي النوافذ الواطئة التي تسمح بدخول النسيم البارد حتى في أشد فصول الصيف حرارة، على قصص المعارك والمواجهات والمؤامرات وصراعات القبائل التي شهدتها البلاد في أزمنة ماضية.

مضى في الطريق الرطب بين بيوت الطين قبل أن ينعطف إلى اليسار ويصعد التلة التي تفصل العلاية القديمة عن العلاية الجديدة.

قبل دخوله البيت لمح، على المنعطف المفضي إلى مركز الولاية، سيارة الشرطة، لكنها اختفت سريعاً وراء المنعطف.

كان، كعادته، قد ترك هاتفه النقال صامتاً في مربع كورنيش الليوان، وكان الهاتف قد اهتز داخل المربع خمساً وعشرين مرة. كان رقم الاتصال واحداً ومصدره العاصمة. لا أحد يتصل به من مسقط ولا يتصل بأحد سوى سلمى، غير أن هذا ليس رقم سلمى، وفكر هل حصل لها مكروه وهذا اتصال من الجامعة. انتابته حالة هلع لكنها لم تطل إذ اهتز الهاتف في يده وظهر الرقم ذاته، فرد على الفور بصوت خافت مرتبك، وتلقى، بعد التأكد من شخصيته وجملة السلام والترحيب، نبأ صدور التكليف السامي بتعيينه وزيراً، لكن عليه ألا يخبر أحداً إلا بعد إذاعة المرسوم في نشرة الرابعة عصراً.

لم يجد ما يقول سوى شكراً. لم يعرف ما الذي كان عليه أن يقول. كان الصوت في الطرف الأخر صارماً ومحدداً ورسمياً.

شعر بالفراغ، ثم انتابه شعور غريب بالخوف واللايقين. عاش حياته، بعيداً عن إخوته وعن القبيلة وعن الولاية وعن الدولة، مع زوجته وابنته ومقصورته، في قناعة وسلام، مكتفياً بمعاش التقاعد المبكر عن أعوامه التي قضاها موظفاً في دائرة الزراعة بالولاية، حراً ومتحرراً من الخوف، لكن الخوف هبط عليه دفعة واحدة وجثم على صدره كنسر عظيم.

جف حلقه وشعر بتنمل في أطرافه ولم يقوَ على النهوض من على الحصيرة إلا بصعوبة، وعندما وقف شعر بدوار وكاد يسقط فنادى أم سلمى بصوت متحشرج مبحوح أن لا تُحضر الغداء فهو يشعر ببعض التعب ويريد أن ينام.

مشى إلى الغرفة، وقد تعاظم شعوره بالخوف واللايقين وإحساسه بالدوار. هوى على فراشه ونام كما لم ينم من قبل، وتمنى في أعماقه لو يموت وهو نائم فيتخلص من هذا الخوف الذي هبط عليه دفعة واحدة ومن دون مقدمات، لكن التدافع الذي شهده البيت بعد دقائق من إذاعة المرسوم في نشرة الرابعة عصراً ايقظه. ووسط الذهول وعاصفة الأقدام والوجوه والأصوات التي اقتحمت عليه الغرفة، وجد نفسه وهو لا يزال على سريره، محاطاً بأخوته، وبوجوه بعضها يعرفها وبعضها لا يتذكر أنه رآها من قبل.

كانت العيون تحدق فيه بذهول ناجين من الغرق.

نهض، لا يعرف كيف نهض. وفيما كان الأخ الأكبر سالم يتولى إخراج الناس من الغرفة وتنظيم الجمهور المحتشد في الليوان وحوش البيت، كي يتمكن معاليه من الخروج لاستقبالهم، دخلت فاطمة وقد استبد بها الذهول وارتمت في حضنه وانخرطت في البكاء. كان لا يزال مخطوفاً وفارغاً وغير قادر على التفكير في أي شيء. دخل الحمام لتبديل ملابسه وكانت الجلبة في الخارج عاصفة ترج البيت.

خرج الرجل وقد تحول إلى كائن آخر.

كانت سيارة المراسم المرسيدس الزرقاء وسيارتان تابعتان لقوة المهمات الخاصة بالشرطة في انتظاره. كان عليه المغادرة على الفور إلى العاصمة فقد أصبح وزيراً.

شقت السيارات الثلاث طريقها وسط جمهور المواطنين، الذين لم يتمكن كثير منهم حتى من رؤية ابن ولايتهم الذي اختارته العناية السامية ليصبح وزيراً.

كان يجلس في المقعد الخلفي وإلى جواره تجلس فاطمة، وكان لا يزال ذاهلاً، مخطوفاً ويشعر بالخوف والفراغ. وفي طريقها إلى مركز الولاية لملاقاة الطريق إلى مسقط، عبرت السيارات إلى جوار «الغالية»، فنظر إليها وشعر برغبة في القفز من السيارة والجري لمعانقة نخيله وأشجاره. لقد انتابته نوبة حنين جارف إلى مقصورته وكان يشعر كما لو أنه لن يراها بعد الآن، وخُيّل إليه أن النخيل والأشجار تلوح له مودعة وقد أصابها الهلع هي الأخرى.

تمنى من سويداء فؤاده لو يُترك لحاله ولحياته الآمنة البسيطة، لكنها أمنية باتت الآن في حكم المستحيل.

ولما اقتحمت سيارة المراسم وخلفها سيارتا المهمات الخاصة الطريق السريع إلى مسقط زادت من سرعتها فرأى الجبال خطفاً تمحى من الوجود وشعر ببرودة مقعد السيارة.

كانت البرودة قارصة لا تُحتمل، وتذكر أنه نسي، في غمرة الفوضى التي اجتاحت البيت، أن يلبس شيئاً تحت دشداشته.

انكمش وانطوى على نفسه وذوى غارقاً في الخجل.

نُشر هذا النص في صحيفة الحياة – http://bit.ly/1eMmEaU

عن المكان والخيال والشعر والسرد

محمد اليحيائي

سأقدم هنا ملاحظتين أو رؤيتين  حول الرواية في عُمان والخليج

الملاحظة الأولى: عن الكتابة ومصادرها، عن المكان والناس في الرواية

في الأدب، كما هو معلوم، يوجد كل شيء ولكن لا يوجد شيئ واحد محدد، لا مكان واحدا محددا في النص يُمكن مطابقته مع مكان واحد محدد خارج النص، ولا شخوصا محددة في النص يمكن مطابقتها مع شخوص محددة خارجه

إن كل أشياء وعناصر النص الروائي وكائناته تتطابق مع أشياء وعناصر وكائنات الواقع وتختلف عنها في الوقت ذاته

النص الروائي هو تاريخ الإنسان، ليس بوصفه إنسانا فقط، ولكن بوصفه سلسلة متصلة من السلالات والكائنات والأشباح والأحلام والخيبات، إنما ليست توثيقا ماديا ومباشرا لا لكائنات الإنسان ولا لأشباحه ولا لأحلامه ولا لخيباته

الرواية، بهذا المعنى، تظهير للشريحة السالبة من فيلم الحياة، لكن مع تعديل الاحجام ودرجات الضوء واللون، وذلك عبر ما أصفه بمعامل الذاكرة وحمض المخيلة النووي : DNA  الكتابة الذي يُميز نصا عن آخر وكاتبا عن آخر

الخلية العضوية المكونة للنص الروائي تؤخذ من الواقع لكنها تُزرع في جسد حر، طيّع، قابل  للتشكل، هذا الجسد الحرٌ هو المخيلة

وبالتالي فإن الكاتب، لكي يُنتج نصا يستمد حياته ومصادره من تلك الخلية العضوية المأخوذة من الواقع ” الجينة الأصيلة للكتابة” يحتاج إلى خيال حر، طيع وقابل للتشكل.

كيف نضع هذا الكلام في إطار عملي ؟

قبل ربع قرن أو أكثر عندما كان السؤال عن أسباب قلة الإصدارات الروائية في دول الخليج العربية والضعف الفني للأعمال التي كانت صدرت لكُّتاب من هذه الدول مقارنة بدول عربية أخرى كمصر وسوريا ولبنان والعراق وإلى حد ما المغرب والجزائر، لا سيما فيما يتعلق  بالمكان وبناء الشخصيات في الرواية الخليجية ، كان الجواب أن الرواية فن مديني، الرواية ابنة المدينة، بصخب حياواتها وناسها الذين يملأون الشوارع والميادين، وبتعدد وجوهها وأصواتها وألوانها وروائحها، ولأنه  لا توجد في دول الخليج مدينة تشبه القاهرة أو بيروت، بالتالي لا توجد رواية تشبه الرواية التي تكتب في القاهرة أوبيروت

كنت ضمن من آمنوا بهذا الكلام، وكتبوا عنه ، وكنا نقول، كيف نكتب رواية أو حتى قصة قصيرة ممتلئة بالحياة ومحتشدة بالأحداث إذا كنا نتحرك بين علب اسمنت وعلب صفيح ؟

اليوم، بعد هذا العدد الكبير والمتميز من الأعمال السردية التي صدرت في مدن الاسمنت والصفيح الخليجية هذه، هل ما تزال تلك المقولة صحيحة؟

قبل الذهاب بعيدا، علينا أن نتذكر أنه بين الروائيين الثمانية الذين أحرزوا الجائزة العالمية للرواية العربية “بوكر”، ثلاثة روائيين خليجيين، هم السعوديان عبده خال ورجاء عالم والكويتي سعود السنعوسي

كان يمكن أن يكون الرقم سبعة روائيين من الدول العربية الأخرى مقابل ثلاثة من دول الخليج لو لم يقتسم المغربي محمد الأشعري الجائزة مع السعودية رجاء عالم عام ألفين وأحد عشر.  والأشعري على أية حال ليس من عواصم المركز العربية

مالذي حدث أو مالذي تغير خلال عقدين من الزمان؟

هل أصبحت العواصم الخليجية مدنا نابضة بالحياة محتشدة بالناس في الشوارع والميادين ومقاهي الرصيف والنقل العام حيث يمكن للُّكُّتاب العيش وسط الناس والاستماع إلى حكاياتهم وأخبارهم وتحويلها إلى مادة للكتابة الروائية أو القصصية؟

أم أن مفهوم الكتابة عن الناس ، وعن الشأن العام تغير، أم أن ما يُعرف بالفضاء العام حيث يلتقي الناس تغير؟ أم أن الأمر يتعلق بنضج كُّتاب هذه المنطقة واتساع خبراتهم في الحياة والكتابة، واكتشافهم   DNA  الكتابة ؟

أم أن تلك المقولة عن مدينية الرواية لم تكن سوى الذريعة التي استخدمها البعض لتأكيد نظرية المراكز والأطراف التي أُطلقت  منتصف ثمانيات القرن الماضي، وروج لها كتاب ونقاد بارزون في تلك الفترة أمثال كمال أبو ديب، والتي رأت أن لا قدرة لأطراف الوطن العربي، دول الخليج ودول المغرب العربية على انتاج ثقافي ( أدبي وفني) يضاهي ما تنتجه وستنتجه المراكز ( القاهرة وبيروت ودمشق وبغداد)

تلك المقولة إذا، من وجهة نظري،  لم تكن دقيقة ولكن أيضا مفهوم الكتابة عن الناس وعن الشأن العام تغير، وتغير أيضا ايضا مفهوم الفضاء العام

الرواية إذا ليست ابنة  المدينة ولكنها ابنة الحياة و الخبرة والحكمة والحساسية والخيال

الشكل الفني للرواية ما بعد البلزاكية عالميا ، وما بعد المحفوظية عربيا، هو الذي يحدد العلاقة بين الكاتب ومصادر موضوعاته، وليس “الموضوع الاجتماعي أو السياسي” هو الذي يحدد هذه العلاقة

دعوني أضرب مثالين  لما أزعمه من أن  الرواية  ليست بالضرورة فن مديني وأن مصادر الكاتب ليست بالضرورة مباشرة ومادية وأن الروائي كي يكتب عن مكان ما وعن أحداث ما وشخصيات ما لا يحتاج، بالضرورة، العيش جسديا في محيط ذلك المكان وفي فضاء حالاته وشخصياته.

عندما نقرأ غابرييل غارسيا ماركيز أحد أهم و أعظم الكتاب الذين ظهروا في الأعوام الخمسين الماضية، وعُّد أعظم روائي ظهر في الأدب الإسباني منذ ثرفانتس، نجد أن مصادره، على الأقل، في رواياته الثلاث الخالدة ” مائة عام من العزلة” و “خريف البطريرك” و” الحب في زمن الكوليرا” وحتى عمله الآخر المدهش ” سرد أحداث موت معلن”، مصادرها ليست المدينة أو المدن التي عاش فيها، بوغوتا، باريس، مكسيكو ستي، برشلونة وهافانا، إنما قريته ” آراكاتاكا”، التي غادرها وهو طفل في حدود العاشرة ولم يعد إليها إلا وهو شاب في الجامعة ليقضي فيها بضعة أيام  ولم يعد إليها ثانية إلا بعد مضي أكثر من عشرين عاما. تلك القرية التي أعاد تركيبها وبناءها بل أعاد خلقها واعطاها تسمية جديدة هي “ماكوندو” كما في مائة عام من العزلة

وكذلك الحال في روايته ” الحب في زمن الكوليرا” و“سرد أحداث موت معلن” إذ بدت مصادر الحكاية في هذين العملين هما بلدات “سوكري وبارانكيا وكارتاخينا”.

مصادر خريف البطريرك تختلف تماما ، فهي عن الديكتاتور في صورته وصيغته الأميركية اللاتينية ولكن العالمية أيضا.

الأهم من هذا أن ماركيز كتب هذه الأعمال وهو يعيش بعيدا عن المكان وعن العوالم وعن الشخوص التي كتب عنها. مائة عام من العزلة كتبها وكان يعيش في مكسيكو سيتي والاعمال الأخرى وهو متنقلا بين مكسيكو سيتي وبرشلونة وباريس ولندن وهافانا

لو بقي ماركيز يعيش في بيت جَده العقيد نيكولاس ماركيز ميخيّا  ولم يغادره لربما لم يتمكن من رؤية البيت والقرية وشخوص طفولته على النحو الذي رآها بها وهو يعيش بعيدا عن مكانه الأول ومصدر خياله الخصب ذلك

المثال الآخر لكاتب عربي، وهو كاتب شاب ولكنه صاحب تجربة مهمة ولافتة، إنه اللبناني ربيع جابر

الذين يعرفون هذا الكاتب يعرفون أنه انطوائي، يكره الظهور ويتحاشي الآماكن العامة والناس والعلاقات.  عملان من أعماله، هما الأكثر بروزا، رواية “أميركا” ورواية “دروز بلغراد” التي حصلت على البوكر. هاتان الروايتان تتحركان وتستمدان موضوعيهما بعيدا عن بيروت وعن لبنان وإن كانتا عن شخصيات لها جذور شامية لبنانية

عندما قرأت أميركا وكنت في أميركا، قرأت وصفا دقيقا لآماكن زرتها وأعرفها، فسألت صديقا مشتركا بيني وبين ربيع جابر  عن السنوات التي قضاها  الكاتب في أميركا ليكتب عنها هذا العمل الكبير والدقيق… فكان الجواب أن الكاتب لم يزر أميركا أصلا.

ما أردت قوله، هو أن مصادر الكاتب، عوالمه ومناخاته ليست بالضرورة على علاقة يومية مباشرة بالفضاء العام. لعلني لا احتاج إلى مدينة كالقاهرة أو بيروت لأكتب رواية. إن مسقط أو مطرح  أو (بركاء أو السويق حيث ولدت وحيث عشت سنوات طفولتي الأولى) أو بلدة سيق في الجبل الأخضر أو شرشتي في أقصى الجنوب العماني هي آماكن ملهمة للكتابة رغم صمتها وصمت سكانها

  • إن ما أحتاج إليه أكثر هو  الخيال أو  DNA الكتابة  مضاف إليه مركب من أربعة أمور حاسمة:
  • الحساسية العالية بالموضوع الإنساني
  • الخبرة الفنية، الأدوات الفنية واللغوية.
  • الخبرة الحياتية الكافية.
  • القراءة المعمقة والمستمرة

روايتي التي صدرت هذه الأيام في بيروت، وعنوانها “حوض الشهوات” تتحدث عن الإنسان في هذا المكان وعن هذا المكان،الإنسان والمكان العمانيين بوصفهما حالتين وشحنتين عاطفيتين وشعريتين ترتقيان إلى الأسطورة، لكن هذه الرواية كتبت بعيدا عن عُمان

هل يجب أن تبتعد عن مصادر كتابتك لتتمكن من الكتابة عنها؟ ليس بالضرورة. لكن الواضح أن الأشياء لا تُرى واضحة إلا بعين الخيال

المفاهيم إذا تغيرت كلية. ليس مفهوم المدينة والمراكز والأطراف فقط، ولكن مفهوم الكتابة ومصادرها والعلاقة بالمكان والناس تغيرت أيضا

الملاحظة  الثانية: عن المشهد الأدبي الراهن في عُمان، عن السرد والشعر

في حوار صحافي أجراه معي الروائي والصحافي اليمني أحمد زين لصحيفة الحياة، نشر في فبراير العام الماضي، حاججت وما زلت احاجج، أن السرد وليس الشعر هو التجلي الأبرز للمشهد الأدبي الراهن في عُمان، وأن كُّتاب القصة والرواية هم من يمثل أو هم خير من يمثل راهن الكتابة الإبداعية في هذا البلد ، بصرف النظر عما يُشاع أو يروج له من أن الشعر هو ديوان العمانيين، وعلى ذات حجر رحى المقولة السائرة “الشعر ديوان العرب”. أكثر من ذلك، لدينا في عُمان مقولة ذهبت أبعد في تأكيد أن هذه أمة شعراء حيث نقول “خلف كل حجر في عُمان شاعر

نعلم دور ومكانة الشعر قديما في حياة العرب، بل في حياة البشرية، لكن ما لا نعلمه جيدا هو أن الحكاية هي الأصل، وربما ينسى الكثيرون أهمية التفريق بين الشعر بوصفه حالة ومناخا شعوريا وبين القصيدة بوصفها شكلا تعبيريا، والتفريق بين القصيدة بوصفها شكلا للتعبير الفني وبين الأراجيز والمنظومات الفقهية واللغوية

حتى في الشعر، في القصيدة، نجد الحكاية، بل أن القصائد العظيمة عبر التاريخ بدءا بفن الهوى لأوفيد وليس انتهاءً بمديح الظل العالي لمحمود درويش، نجدها تنهض على الحكاية والسرد

ثمة قصة في كل شيء يقال

الحكاية إذا هي الأصل، الخبر هو الأصل والخبر سرد أحداث ووقائع. أليس كذلك؟

إن أول القصص وأقدمها هي قصة الخلق، وقصة خروجنا من اللازمني إلى الزمني، من الشعر متمثلا في نصه المفتوح على اللانهائي ” في جنة أمنا حواء وأبينا آدم” إلى السرد بعناصره وتحولاته ودراما صراعاته، غموض أحداثه ووضوحها، إلى الأرض

لكن، في المقابل، علينا أيضا أن نفرق بين الحكاية كأصل للوجود ونسغ تطوره وتحوله وبين القصة أو الرواية كشكل  فني للتعبير

جداتنا وأمهاتنا أعظم الحكائيين، لكنهن لسن كاتبات قصة ولا كاتبات رواية

هنا يأتي سؤال الكتابة، وسؤال الأدوات واللغة والشكل الفني أو سؤال DNA  الكتابة

لكن هذا ليس موضوعنا إلا إذا اتسع الوقت للنقاش فيما بعد

موضوعنا هو أن السرد وليس الشعر هو التجلي الأبرز للأدب في عُمان في وقتنا الراهن وأنه مرشح، على ضوء التفاعل والحراك الكبيرين اللذين يشهدهما مجتمع كتاب القصة والرواية، لأن يكون الصوت الأبرز في المستقبل

قُدمت هذه الورقة ضمن ندوة عن الرواية العربية المعاصرة. النادي الثقافي، مسقط، 3فبراير 2015

عن تقليم أطراف النص الكبيرة وكشط الدهون عن جسده

روي بيتر كلارك

روي بيتر كلارك*
ترجمة محمد اليحيائي

حين يقع الكُتّاب في غرام كلماتهم، فذلك يخلق إحساسا عميقا بمشكلة أعمق، أما حين نقع – نحن القراء- في غرام اقتباساتنا، شخوصنا، حكاياتنا ومجازاتنا فلايمكننا تخيل ارتكاب جريمة قتل أي من هذه الاقتباسات والشخوص والحكايات والمجازات، لكن الجريمة، على أية حال، حتمية
في العام 1914 دعا الكاتب البريطاني آرثر كويلر Arthur Quiller ، بصراحة مدوية إلى “ضرب عنق ما نحب”. هذه القسوة ستبدو محتملة، على نحو من الإنحاء، إذا ما اقُترفت عند النهايات، وتحديدا عندما تكون العملية الإبداعية بتصرف حَكَمٍ غَير مبالٍ.
إن الانضباط والصرامة يجعلان كل كلمة ذات قيمة وبُعدٍ خاصين
“الكتابة المفعمة بالحيوية هي الكتابة الموجزة”
كتب وليام سترنك William Strunk في الطبعة الأولى من ” مبادئ الإبداع الأدبي”
” الجملة يجب أن لا تتضمن سوى الكلمات الضرورية، الفقرة يجب أن لاتتضمن سوى الجمل الضرورية، وعلى ذات المنوال، اللوحة يجب أن لا تتضمن سوى الخطوط الضرورية، والآلة لا تتضمن سوى القطع الضرورية. هذا لا يعني أن على الكاتب جعل جمله قصيرة أو أن عليه تجنب التفاصيل أو أن عليه معالجة موضوعه معالجة سطحية، إنما عليه أن يجعل لكل كلمة لسان مُبين”
لكن السؤال، كيف يمكننا تحقيق ذلك؟
دونما زيادة ولا نقصان، البداية من تقليم أطراف النص الكبيرة ( الأشياء والكلمات الكبيرة)
علّمنا دونالد ميرري Donald Murray درسا مهما : الإيجاز يأتي من التحديد (من انتقاء الكلمات) لا من ضغطها واختزالها. هذا الدرس يقترح حذف مقاطع كثيرة وأحيانا ثقيلة من النص
عندما أقدَمَ ماكسويل بيركنز Maxwell Perkins على تحرير أعمال توماس وولف Thomas Wolfe ، كان يُقدم على مواجهة بالغة الصعوبة مع مخطوطات تزن أطنانا ويتطلب نقلها عربات
محرر أدبي مشهور قدم، مرة، نصيحة إلى كاتب مشهور
” لا يبدو لي أن –هذا – الكتاب بولغ في تأليفه، لكن، أيا كان ما يصدر عنه، يجب أن يصدر مقطع بعد مقطع، لا جملة بعد جملة”
لقد قلّص بيركنز مقطعا يتعلق بشخصية لوولف من أربع صفحات إلى ست كلمات
هكذا أصبح المقطع الطويل الذي كان في أربع صفحات “هنري هو الأكبر، كان في الثلاثين” …. هكذا ببساطة
إذا كنتَ، ككاتب، تهدف إلى تحقيق الإيجاز، فعليك أولا تشذيب الأغصان الكبيرة، وفيما بعد قم بكنس الأوراق الميتة. مثلا
– احذف أي جزء لا يخدم موضوعك
– احذف الاقتباسات والحكايات والمشاهد الضعيفة كي تعطي مكانة وحضورا أفضل للاقتباسات والحكايات والمشاهد القوية
– احذف أي جزء كتبته لإرضاء مُعلمٍ تُدين له بالفضل أو لإرضاء محرر دار النشر على حساب القارئ العادي
– لا تطلب من أحد سواك القيام بالحذف. أنت أفضل من يعرف عملك. حدد خيارات الحذف، ثم قرر إذا ما كان يجب أن تصبح، بالفعل، خارج النص
دائما جد الوقت للمراجعة، لكن، إذا ما كنت مضغوطا في الوقت، فضع المسودة أو نصفها تحت مرمى النيران، بسرعة ودون تردد. هذا يعني أن عليك حذف كلمات ،جمل وحتى مقاطع بكاملها
إن النموذج الأبرز لهذا النوع من التحرير والمراجعة يتجلى في عمل وليام زينسر William Zinsser
في الفصل الثاني من On Writing Well ، يوضح زينسر كيف كان يُصّفي المسودات النهائية من الفوضى والضوضاء
يقول
” على الرغم من أنها كانت تبدو – كما لو كانت – المسودات الأولى، وكانت قد رُقنت على الآلة الكاتبة … أربع أو خمس مرات، فإنه ومع كل إعادة كتابة، أحاول أن أجعل ما كتبته أكثر إحكاما وقوة ودقة، ضاربا بمنجل الحذف كل العناصر التي لا تبدو مفيدة”
في واحد من نصوصه، يكتب زينسر لمن يصفه بالقارئ الذرب، المكافح
” أتعاطف معه كليا. القارئ ليس مغفلا، إذا ما انحرف عن مسار النص، فإن السبب يعود، على الأغلب، إلى الكاتب الذي لم يكن حذرا بما يكفي لأن يبقى قارئه على المسار الصحيح”
تلك الجملة تبدو ممتلئة وناجزة بحيث تُمّكن من رؤية المؤلف وهو يكشط الدهون الزائدة عن جسد نصه
في مراجعته للنص، في إعادة القراءة، يمسك الكاتب سكين التشذيب وحذف الزوائد، على نحو إن ” القارئ ليس مغفلا”
في النص المعدل ” أتعاطف معه كليا. القارئ ليس مغفلا، إذا ما انحرف عن مسار النص، فإن السبب يعود، على الأغلب، إلى الكاتب الذي لم يكن حذرا بما يكفي لأن يبقى قارئه على المسار الصحيح”
نجد سبعة وعشرين كلمة بقيت على قيد الحياة من المقطع الأصلي المكون من ستة وثلاثين كلمة
إن ما يمكن للكُتّاب استهدافه بالحذف يتضمن
– الأفعال ومشتقاتها، تلك التي تدفع إلى المبالغة والإطناب عوضا عن الإيجاز والتوضيح والتحديد
– أفعال الجر التي تُعيد تعريف المُعرّف. على سبيل المثال: في هذه القصة ، في هذا النص، في هذا الفليم، وفي هذه المدينة
– العبارات التي تنهض على الأفعال، مثلا : يبدو أن ، على هذا النحو، كان يجب أن….
– الاسماء المجردة التي تُخفي الأفعال النشطة، مثلا ” إعادة النظر تصبح أعاد النظر، تقدير الأمر يصبح يقدر الأمر، والملاحظة تصبح يلاحظ
– التكرار ( تكرار ذات المعني بأكثر من كلمة) مثلا: عصرية “قائظة” ” شديدة الرطوبة”

* Roy Peter Clark كاتب وصحافي أميركي ولد في نيويورك عام 1948 .
يُعد أحد أبرز “معلمي” الكتابة الإبداعية والصحافية وأكثرهم تأثيرا في الولايات المتحدة.
أبرز إصدارته ” أدوات الكتابة: خمسون طريقة أساسية لكل كاتب”، و” كيف تكتب بإيجاز”

عن دودة الغربة وخطوات بلند الحيدري

Imageمحمد اليحيائي

أول كتاب قرأته لبلند الحيدري كان ” خظوات في الغربة” الديوان الذي صدر في بيروت عام 1965 ، اشتريته عام 1982  من”كشك” صغير يسمى “مكتبة أيمن” في مطرح، على زواية الشارع ، مقابل مدخل السوق إلى جوار مخفر الشرطة، على بعد خطوات من موقف سيارات التاكسي وخطوات من مستشفى “طومس” الذي تبدل اسمه إلى مستشفى الرحمه ” أقدم المستشفيات الحكومية في عُمان” – باعته الحكومة بكل ما بين حيطانه من تاريخ وذاكرة وذكريات منتصف التسعينيات وهو اليوم مجرد بناية تجارية سكنية.

لمن كان في مثل عمري آنذاك كان لكلمة “الغربة”  إغواءًً سحريا، خصوصا وأن جيلي عاش “عايش وشاهد” عودة كثير من المغتربين العمانيين إلى الوطن، وكان هؤلاء العائدون يحتلون مكان الصدارة في المجالس ثم في الوظائف لأنهم “يعرفون”. كان “الخارج” بالنسبة لي معرفة، كانت الغربة خروجا من حقل “العائلة/ القبيلة” وعليه، وكان بالتالي مكانةً وعلو شأن.

بعد سبع سنوات، عام 1989 التقيت بلند الحيدري، لم يكن حينها في شهرة نزار قباني أو أدونيس أو محمود درويش أو عبدالوهاب البياتي رغم أنه يُعد المؤسس الأول للحداثة في المشهد الشعري العربي ، بلند أصدر ديوانه الأول ” خفقة الطين” عام  1946، قبل نازك الملائكة والسياب ومن جاء بعدهما، لكنه كان أميل للصمت والبعد عن جلبة العلاقات العامة. التقيته في أصيلة بالمغرب، كنت موفدا من جريدة عُمان لتغطية موسم أصيلة الثقافي. كان بلند “شيخا” هادئا مبتسما مرحبا ومستمعا جيدا، كان يقترب من السبعين  وكنت في منتصف العشرين، لكن صحبة حميمة جمعت بيننا. لقائي بلند أحيا في داخلي “مسألة الغربة” إذْ لا تزال ترادني. بعد حوارات ونقاشات ومشي على شاطئ أصيلة، سألته “يا أستاذ بلند أريد أن أغترب، أسافر وأعيش بعيدا، ما هي نصيحتك” – كنت أتمنى أن اسمع منه “تعال إلى لندن” لكنه الذي قاله ” إذا في بد من الغربة فبلاها”. طبعا في بد من الغربة! إذا لم تكن دودتها تنغر في دمك. بعد ذلك اللقاء بعشر سنوات تقريبا وجدتني أتبع تلك الفكرة القديمة ” الغربة” ولأسباب لم تكن قاهرة بالمعني المادي، لكن ثمة ما لم يكن ليقاوم.

تبادلت وبلند الرسائل البريدية والصور .

كنت تمنيت لو التقيت بلند الحيدري في غربته لأقول له ” يا أستاذ بلند لم يكن من بد من الغربة للأسف” لكنه غادر الغربة وعاد إلى التراب عام 1996

خطوات في الغربة

بلند الحيدري

هذا

أنا

_ ملقى _ هناك حقيبتان

وخطى تجوس على رصيف لا يعود الى مكان

من ألف ميناء أتيت

ولألف ميناء أصار

وبناظري ألف انتظار

لا …

ما انتهيت

لا … ما انتهيت فلم تزل

حبلى كرومك يا طريق ولم تزل

عطشى الدنان

أنا أخاف

أخاف ان تصحو ليالي الصموتات

الحزان

فإذا الحياة

كما تقول لنا الحياة :

يد تلوح في رصيف لا يعود الى مكان

*

لا …

ما انتهيت

فوراء كل ليالي هذي الأرض لي حب

وبيت

ويظل لي حب وبيت

وبرغم كل سكونها القلق الممض

وبرغم ما في الجراح من حقد

وبغض

سيظل لي حب وبيت

وقد يعود بي الزمان

*

لو عاد بي

لو ضم صحو سمائي الزرقاء هدبي

أترى سيخفق لي بذلك البيت

قلب

أترى سيذكر ابن ذاك الأمس

حب

أترى ستبسم مقلتان

أم تسخران

وتسألان

_ أو ما انتهيت

ماذا تريد ولم أتيت

اني أرى في ناظريك حكاية عن ألف ميت

وستصرخان :

لا تقبروه ففي يديه … غدا

سينتحر الصباح فلا طريق ولا سنى

لا …

اطردوه فما بخطوته لنا

غيم لتخضر المنى

وستعبران

*

هذا … أنا

_ ملقى _ هالك … حقيبتان

وإذا الحياة

كما تقول لنا الحياة :

يد تلوح في رصيف لا يعود الى مكان

من سعدي يوسف إلى زاهر الغافري، سُلالةُ مُحاربين

هذه القصيدة كتبها الشاعر العراقي سعدي يوسف ، وهي هنا في نسختها الأولى والوحيدة. بخط يده، أهداها إلى الشاعر العماني الصديق زاهر الغافري، قرأها سعدي  في مهرجان مسقط للشعر العربي عام  1997

ثم سلمها لي ونسيها ونسيتها ضمن أوراقي ووثائقي، كان لي يومها شرف ترؤس المهرجان. في تلك الدورة كان هناك أيضا الشاعر العراقي الراحل سركون بولص الذي احتفظ له بقصيدة كتبها بخط يده في بارالغزال بفندق الانتركوننتال مسقط وأهداها إلى أصدقائه العمانيين والتي ربما تنشر قريبا

Saddy Yosef Poem